فصل: تفسير الآيات (147- 148):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (144- 146):

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)}
وقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل...} الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المعنى أنَّ محمدًا عليه السلام رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك؛ لأنه يَمُوتُ؛ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله: {فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً}؛ لأن المعنى: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووَفَّوْا للَّه بعَهْدهم؛ كسعدِ بْنِ الرَّبيع، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ رضي اللَّه عنه في تفسير هذه الآية: الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ؛ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ؛ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ؛ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي: فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ.
وقوله سبحانه: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا...} الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له؛ يبيِّن ذلك قولُهُ تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18]، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئاً من الآخرة؛ لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا} لا تمنع أنْ يؤتى نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: {وَسَنَجْزِي الشاكرين}: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة.
ثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قاتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ...} الآية: وفي {كَأَيِّنْ} لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها؛ لأنها كافُ التشبيه دخلَتْ على أيٍّ، و{كَأَيِّنْ} في هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة كَمْ، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: {قُتِلَ} مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ الباقُونَ {قَاتَلَ}، فقوله: {قُتِلَ}، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ: إنه مستند إلى ضميرِ {نَبِيٍّ}، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف {رِبِّيُّونَ} مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً ب {قُتِلَ}، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ {قُتِلَ} إنما هو مستندٌ إلى قوله: {رِبِّيُّون}، وهم المقتولُونَ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ قطُّ.
قال * ع *: فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: {مَعَهُ} ب {قُتِلَ} ورجح الطبريُّ القَوْلَ الأوَّل؛ بدلالة نازِلة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن؛ ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144] وحجة من قَرَأَ {قَاتَلَ}: أنها أعمُّ في المدح؛ لأنه يدخل فيها مَنْ قُتِلَ، ومن بقي.
قال * ع *: ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله: {رِبِّيُّونَ}، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو من الرِّبَّة بكسر الراء، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: إنهم قالوا: ربِّيونَ: معناه: علماء؛ ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رِبِّيُّونَ بفتح الراء، منسوبون إلى الرَّبِّ؛ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع.
وقوله سبحانه: {وَمَا استكانوا}، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: كَانَ، يَكُونُ، وأصلُهُ: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا قريباً من ذلكَ، قلْتُ: واعلم رحمك اللَّه أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفُوسِ للَّه، وبَذْلِ مُهَجِهَا لِلقَتْلِ في سَبيلِ اللَّهِ؛ ألا ترى إلى حال الصَّحابة رضي اللَّه عنهم، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى؛ عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو داود في سننه عن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ؛ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» اه، فانظر رحمك اللَّه، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مُصَاب الإسلام.

.تفسير الآيات (147- 148):

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا...} الآية: هذه الآيةُ في ذكْر الرِّبِّيِّين، أي: هذا كان قولَهُم، لا ما قاله بعضُكم، يا أصْحَاب محمَّد: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا} [آل عمران: 154]، إلى غير ذلك ممَّا اقتضته تلْكَ الحَالُ مِن الأقوال، قُلْتُ: وهذه المقالَةُ ترجِّح القولَ الثانِيَ في تفْسير الرِّبِّيِّينَ؛ إذ هذه المقالةُ إنما تَصْدُرُ من علماء عارفينَ باللَّه.
قال * ع *: واستغفار هؤلاءِ القَوْمِ الممْدُوحِينَ فِي هذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنهم رَأَوْا أَنَّ ما نزل مِنْ مصائبِ الدُّنْيا إنما هو بِذُنُوبٍ من البَشَرِ؛ كما نزلَتْ قصَّة أُحُدٍ بعصيان من عصى، وقولهم: {ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}: عبارتان عن معنًى قريبٍ بعضُهُ من بعضٍ؛ جاء للتأكيد، ولتعمَّ مناحي الذنوبِ؛ وكذلكَ فسَّره ابنُ عبَّاس وغيره، وقال الضَّحَّاك: الذنوبُ عامُّ، والإسرافُ في الأمر، أريدَ به الكبائرُ خاصَّة، {فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا}؛ بأن أظهرهم على عدُوِّهم، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة}: الجَنَّة بلا خلاف.
قال الفَخْر: ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومَحْمَلُ قوله: {ءاتاهم} أنه سيؤتيهم.
وقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حُسْنَ ثواب الآخرة. انتهى.

.تفسير الآيات (149- 152):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}
وقوله سبحانه: {ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ}، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.
وقوله سبحانه: {بَلِ الله مولاكم وَهُوَ خَيْرُ الناصرين} هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ قد جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ؛ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ تَرْحَلَ حتى ترى نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَاللَّهِ، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: [البسيط]
كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ** إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ

تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ** عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ

فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ** لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ

إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة: لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ؛ قال الفَخْر: لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة. انتهى.
وقوله سبحانه: {بِمَا أَشْرَكُواْ}، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.
قال * ص *: قوله: {وَبِئْسَ}، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار انتهى.
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم؛ ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه؛ إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل؛ إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه؛ إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه؛ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.
وقوله سبحانه: {حتى إِذَا فَشِلْتُمْ}، يحتملُ أنْ تكونَ {حتى} غايةً؛ كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ {إذا} على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة؛ أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، {وَعَصَيْتُمْ}: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل رحمك اللَّه ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ؛ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ اللَّه عز وجلَّ ونبيُّه عليه السلام من الدُّنْيا وآفاتها؛ بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في المُسْنَدِ المُنْتَخَبِ له، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» انتهى من الكوكب الدري.
وقال- عليه السلام- للأنْصَارِ: لما تعرَّضوا له؛ إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ: «أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ؛ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. انتهى.
واعلم رحمك اللَّه أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ؛ وقد روى ابنُ المُبَارك في رقائقه، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ؛ أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟ قَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: {مِّن بَعْدِ مَا أراكم مَّا تُحِبُّونَ}، يعني: هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر، واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنْتِ عُتْبَةَ، وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ؛ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ.
وقوله سبحانه: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم؛ قاله ابنُ عَبَّاسٍ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنَّ أحداً مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يريدُ الدنيا؛ حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}.
وقوله سبحانه: {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأخرة} إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر؛ امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يَضْطَرِبْ من المؤمنين.

.تفسير الآيات (153- 155):

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)}
وقوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ} العامل في إذ قوله عفا وقراءة الجمهور {تصعدون} بضم التاء، وكسر العين؛ من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف أَصْعَدَ: معناه: دَخَلَ في الصَّعيد؛ كما أنَّ أَصْبَحَ: دخل في الصَّبَاحِ.
وقوله سبحانه: {وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ} مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: {على أُحُدٍ} بضم الألف والحاء، يريد الجَبَلَ، والمَعنِيُّ بذلك نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلى الله عليه وسلم: «إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ»، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: {فِي أُخْرَاكُمْ}: مدْح له صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس؛ ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا: ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا؛ وكذلك كَانَ صلى الله عليه وسلم أشْجَعَ الناسِ؛ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {فأثابكم}: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: {غَمّاً بِغَمٍّ}، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد: الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، والثاني: القَتْلُ والجِرَح.
وقوله تعالى: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ}، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: لكَيْ لاَ متعلِّقة ب أثَابَكُمْ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ، عن أنسٍ؛ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ، ونحْوه عن الزُّبَيْر، وابنِ مسْعود، والواوُ في قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.
وقوله سبحانه: {يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق}: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم يضمحلُّ.
قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي صحيح مُسْلِم، وغيره، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه:
«أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي...» الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنَسِ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» اه. وقوله: {ظَنَّ الجاهلية}: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: {حَمِيَّةَ الجاهلية} [الفتح: 26] و{تَبَرُّجَ الجاهلية} [الأحزاب: 33] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابْنُ جُرَيْج: قيل لعبد اللَّه ابْن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.
وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ} اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ...} الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.
وقوله سبحانه: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا} هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.
وقوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ}: اللام في {ليبتلي} متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا الاختبار.
وقوله سبحانه: {إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان} قال عُمَرُ رضي اللَّه عنه: المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ.
وقيل: نزلَتْ في الذين فَرُّوا إلى المدينةِ.
قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ من الكبائر؛ بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده صلى الله عليه وسلم في السَّبْعِ المُوبِقَاتِ.